10 فبراير, 2012

استراحة محارب

استراحة محارب


إن حال الأمم والحضارات والشعوب ؛ كحال بني آدم في تقلبه في ممرات الزمن والحياة، فالانسان تارة يكون طفلا ثم تارة أخرى هو شاب، وفي النهاية شيخ تعييه متاعب الشيخوخة وأمراضها، وكذلك هو حال الأمم والحضارات، فما تلبث الحضارة أو الأمة أن تنشأ وتترعرع إلا وتدخل في طور آخر وهو طور التمكين والإزدهار، لتنتهي بطور الانحدار والضمور.

ومابين التكوين والإنحدار تنشأ الأمم وتنمو لتنشر أفكارها وتمد سلطانها ونفوذها على حسب قوتها، ولكن هل يمكن لنا أن نطبق تللك القاعدة على الأمة الإسلامية؟!

لو طبقنا منحنى الحضارات والسنن الكونية على حال أمتنا لوجدنا الواقع يخرج لنا بحقيقة واحدة مفادها ((((([)أحسن الله عزاءكم في أمتكم ، فالمنحنى الحضاري لأمة الإسلام قد علا وسما حتى طاول الأفق، وإذا به يهبط منخفضًا .

ولكن هل نسينا أو تناسينا أن بقاء تلك الأمة هو في حد ذاته سنة كونية، فلقد اقتضى الله – سبحانه وتعالى – بقاء أمة الإسلام وقيادتها لباقي الأمم، وأن كل ما يحدث الآن ماهو إلا مجرد استراحة لمحارب حارب وتمرس في معارك فاصلة طاحنة مابين الحق والباطل.

ويثبت لنا التاريخ بوقائعه الكثيرة صحة نظرية ( البقاء للإسلام )، فقبل وقت قليل من سقوط الأندلس 879 هـ - حوالي 40 سنة تقريبًا قبل سقوطها -، فتح الله على المسلمين القسطنطينية 857 هـ، وكأن غروب شمس الإسلام على مغرب أوربا زامنه سطوع شمسه على مشرقها.

وفي تاريخ الأندلس نفسه علامات تاريخية فارقة تؤكد صحة تلك النظرية، ففي الوقت التي كادت تلك الدولة الناشئة بالأندلس أن يعصف بها الوهن، يأتي " عبد الرحمن الداخل " ليجدد شبابها، وكذلك الحال في كل عصر من العصور، كتطبيق واقعي لقول الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ).

فكأن هؤلاء المجددين هم الدواء للداء الذي يصيب الحضارات ويودي بها إلى التهلكة، وهو داء البعد عن الدين، وكذا الترف المادي والترهل الفكري، الذي مايكاد يصيب أمة من الأمم إلا ليعلن عن بدء انزواء شمس حضارتها وانهيارها، ولكن مع أمة الإسلام الوضع يختلف؛ نجد من يقيضه الله ليجدد للأمة مجدها ويعيد إليها رونقها البهي ويعيدها إلى حظيرة الدين القويم، ويقيم العدل وينشره، وكأن تلك الأمة على موعد كل قرن مع ميلاد يتجدد، وبطل جديد من أبطالها يتسلم الراية.

إذا فليس معنى ضعف الأمة الإسلامية أنها قد انتهت وماتت، لكنها مرحلة ضعف ومرض كما أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه ( نظرية الاستبدال ) ، أي أن الله – عز وجل – قد استبدل أقواما قد باعوا أخرتهم بدنياهم ، بأقوام لا يعطون الدنية في دينهم، قال تعالى [ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ] الآية : 38 سورة محمد.

ففي الوقت الذي توصل فيه علماء الإسلام إلى اختراعات أبهرت الغرب نفسه وقتذاك، تثاقلت همم المسلمين إلى الأرض وضعفوا واستكانوا وركنوا إلى الدنيا بمباهجها، لذا تقدم الغرب ليستلم الراية ويأخذوا ما توصل إليه المسلمون من علوم ويعلون عليها بعمل وعلم.

إنها إذن قاعدة الاستبدال التي لا تهادن أحدا ، لذا حتى وإن كانت أمتنا في وقت استراحة المحارب تلك، إلا أن هذا لا يعني أن نستريح نحن ونركن، ولكن علينا واجب وهو المضي سراعًا نحو إيجاد السبيل لنهضة أمتنا والرقي بها، حتى يعود المحارب الذي طالت استراحته لأرض المعركة الدائمة بين الحق والباطل.

29 ديسمبر, 2011

حينما تموت الروح

حينما تموت الروح


الروح تلك النسمة اللطيفة التي أوجدها الله – عز وجل – ونسبها تعالى إلى ذاته العلية قال تعالى ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَالحجر: الآية 29 ، وهي ذلك السر الذي أودعه الله في الجسد لتدب فيه الحياة بإذنه وتوجد، وأمرنا إلا نفكر فيها كثيرًا لأنه ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) الإسراء: الآية (85) ، ولكن أعطانا ما نحتاجه أو ما تقدر عقولنا على استيعابه ( ... قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) الإسراء: الآية (85) .

والروح ترنو إلى العالم الذي جاءت وخلقت منه ( عالم السموات )، والجسد ينجذب نحو ما خلق منه ( الأرض )، يقول " ابن القيم " في كتاب ( الفوائد ): [ خلق بدن ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي. وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن. ]

لذا حينما تتوازن قوى الجسد والروح، نجد إنسان متوازن لا هو أخلد إلى الأرض بجسده فهلك وأتعب من حوله، ولا هو يطوف بروحه في عوالم خيالية لا وجود لها، فيصير منفصلا عن الواقع الذي يعيشه، ويظل غائبًا حاضرًا، لا وجود له، فيصبح عبئًا عمن حوله.

ولقد أوجد الإسلام ذلك التوازن النفسي بين الروح والجسد، فلا هو أنكر أهمية الجانب الروحي ولا هو أخلد الإنسان إلى الأرض بتقييده بشهواته ورغباته، بل أوجد التشريع الإسلامي تلك المعادلة المفقودة بين الروح والجسد والتي غابت عن الأمم التي كانت قبل كانوا قبل بعدما حرفوا الحق واتبعوا الشهوات فمالوا وأمالوا الخلق معهم.

وموت الروح هنا لا يعني بلاءها، ولكن الروح تموت حينما تحبس في سجن الشهوة وتقيد بأغلال الغفلة، لذا قالوا خراب القلب من المن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر، وروي عن أحد أحبار بني إسرائيل أنه قال [ يارب كم أعصيك ولا تعاقبني؟ ] فقيل له: [ كم أعاقبك وأنت لا تدري أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ].

وهو عقاب عسير لمن كان له قلب أو ألقى السمع، فالروح منعت زادها وذبلت وضعف حالها، ووهنت أمام قوة الجسد، فانقلبت المعادلة القويمة، واختلت الموازين، وأترف الجسد في نعيم الدنيا ونسي العبد حظ روحه، فماتت وأماتت القلب.

وقال البعض أنه لتقوية وإعادة أواصر الصلة بين الروح وعالمها الفوقي، يكون ذلك بالبعد عن عوالق الدنيا والعزوف عنها نهائيًا، ولكن يكمن الحل الفعال لأحياء الروح من جديد في ترك الذنوب وليس ترك الدنيا كلية، فكما قال الأولون ترك الدنيا فضيلة، وترك الذنوب فريضة، فكيف نأمر من ترك الفريضة بالفضية؟! والنفس يجب أن تأخذ حظها وإلا كان المنع عائق لها عن الترقي، فكم منا ترك لذات الدنيا حتى ذاع عنه ذلك، فصار مدح الناس عنده في حد ذاته شهوة، كما قال " الجوزي" [ رب مانع شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها ].

فعلينا بملازمة الباب والاستمرار في قرعه، لعله يفتح فتنجو الروح والجسد معا، والبعد عن الذنوب وتذكر ما لله من فضل ، فقيل [ علمت كلبك فهو يرك شهوته في تناول ما صاده احترامًا لنعمتك وخوفًا من سطوتك .. فكم علمك معلم الشرع وأنت لا تقبل ].

23 ديسمبر, 2011

حوار مع المجلة الالكترونية لمنتدى الرسالة الأسلامي

حوار مع المجلة الالكترونية لمنتدى الرسالة الأسلامي


- نحن نعيش في بلدان عربية وإسلامية ومن أسر محافظة ولكن البعض يتخلى عن المبادئ والقيم الإسلامية بحجة الإجازة والسفر فيُخلع الحجاب وتُسكب الخمور على موائد الطعام .....

ما مدى تأثير ذلك التضاد على الأبناء ؟

بداية أحييكم على جهدكم الرائع والكبير في توعية الآباء والأمهات بأهمية التربية كعامل أساسي في نهضة امتنا بأكملها .. وبالنسبة لسؤالكم أقول لمن يفعل تلك الأفعال حكمة كانت ترددها لنا أمهاتنا دائما (( رب هنا .. رب هناك )) ، فالله – عز وجل – مطلع علينا في كل حين وأينما كنا ، فكيف نفعل تلك الأفعال سواء هنا في بلادنا ، أو في بلاد الغربة ..

وبالنسبة للأبناء .. ما شعور طفل صغير ينهاه أباه عن المحرمات في بلاده ؛ وإذا تغربوا لأجازة يأتونها كلها .. بالطبع سيحدث اضطراب فكري ، وشرخ تربوي سيترك أثراً كبيراً في نفسية هذا الطفل ..

فكما قال علماء النفس أن الطفل يولد وعقله كالورقة البيضاء ، أيما نقش عليه تعلمه واستوعبه وأصبح عنده نهج لحياته ، فما نفعله نحن أننا نكتب كل حسن وممدوح في بلادنا ، ثم نأتي في أجازتنا الخارجية نسكب عليه كل ما هو مذموم وقبيح ، مما يترك لنا عقول ممسوخة غير مستوعبة لما يحدث من حولها من تغريب ومؤامرات تحاك ضدنا.. لذا وجب التنبيه على الآباء والأمهات ضرورة التمسك بالقيم والمبادئ في كل حين وأي مكان ، حتى لا نصير أمه ممسوخة الهوية

- الطفل المعاق إعاقات ذهنية بسيطة كيف نعينه على استثمار الوقت بالمفيد ؟

قبل التحدث عن استثمار وقت الطفل المعاق ، أحب أن أنوه على أن الاتجاه التربوي السائد عالميا اليوم في التعامل المدرسي أو التربوي مع الطفل المعاق ، هو دمجهم مع الأصحاء على كافة المستويات .. والطفل المعاق إعاقة ذهنية بسيطة يحتاج إلى تعامل خاص وليس عزل عن المجتمع أو أقرانها من الأصحاء .

ونبدأ الاستفادة من وقته بوضع برنامج عمل له خلال فترة الإجازة يتناسب مع ميوله وقدراته ، بحيث يكون ذلك البرنامج شامل لكافة الأنشطة التي يمكن له ممارستها من ( لعب ، وتنمية هوايات ، والتفاعل الاجتماعي ، والاشتراك في الأندية والمعسكرات ، والقراءة لبعض المواضيع المفيدة حسب قدرات سنه وعقله ) مع ضرورة العمل على دمجه مع الأصحاء من خلال كل تلك الأنشطة كما ذكرنا من قبل.

- كربة بيت كيف أخطط لبرنامج صيفي مثمر لأسرتي ؟

في البداية على كل أم أن تعي أن لكل فرد قدراته وميوله وحاجاته الخاصة التي تحتاج إلى إشباعها بصورة أو بأخرى ، لذا يجب على أي برنامج تضعه الأم لأولادها أن يلبي حاجات كل فرد فيهم.

ثانيا أن يتسم ذلك البرنامج بنوع من المرونة ، حتى لا يصبح قواعد يجب على الأولاد إتباعها ، فينقلب من برنامج للترفية إلى سجن وقيد لحركة الطفل ، وان يترك للطفل قدر من الحرية في اختيار بعض من نشاطاته التي يحبها

ثالثا : أن يحتوى ذلك البرنامج على كافة النشاطات المتاح تنفيذها سواء داخل البيت أو خارجه

رابعا : ألا ننسى الثقافة والتوعية الدينية وأن يكون لها نصيب في ذلك البرنامج سواء بحفظ القرآن أو الأحاديث النبوية

هل للقراءة سن معين نبدأ مع الطفل فيه ؟

الواقع أن السن ليس عامل مهم في تلك النقطة ، فيمكن لنا أن نحبب الطفل في القراءة من سني عمره الأولى ، وأيضًا يمكننا المحاولة مع الطفل مهما كان عمره كبير .

فالطفل منذ سنته الأولى يظهر اهتمامه بالكتب التي تحتوي على صور ملفتة للنظر وألوان زاهية ، ثم يتطور الأمر معه وتبدأ الكلمات تتداخل مع الصور لكي توصلنا في النهاية لحب الطفل وشغفه بالقراءة. ومهما وصل سن الطفل يمكننا ربطه بالقراءة بوسائل عدة ؛ وذلك بتوفير الكتب التي تلبي حاجاته القرائية ، وقدراته العقلية

أفلام الكرتون وتأثيرها على الأطفال؟

لاشك أن للإعلام دور كبير في تكوين شخصية الطفل في ذلك العالم الذي نحياه اليوم ، فبمجرد أن يفتح الطفل شاشة التلفاز ؛ يصبح وعاء تسكب فيه كل المشاهد والألفاظ التي يسمعها أو يراها. ولقد تابعت شخصيًا بعض تلك القنوات ، وبعد رؤيتي لذلك الكم الهائل من العنف والرعب الذي تبثه ، ظهرت في رأسي علامة استفهام كبيرة وسؤال يحتاج إلى جواب ...

لمصلحة من توجه تلك القنوات ذلك الكم الهائل من الرعب والعنف والدمار لأطفالنا ؟

لذا وجب علينا كأفراد مهتمين بالتربية توضيح حقيقة تلك القنوات وتوضيح الطيب من الخبيث فيها ، ووجب على الآباء والأمهات محاولة ( فلترة ) ما يراه أطفالهم من خلال تلك القنوات.

وللاستدلال على صحة ما أقول أنقل إليكم كلام طفل في الثامنة من عمره ، وواضح من الكلام وفحواه مدى تأثير تلك البرامج والأفلام ؛ أو لنقل تلك الهلاوس الكارتونية التي يراها أبنائنا ..

[ أفضل أفلام كاتون باتمان أو سبايدرمان (رجل العنكبوت) لأنهما أقوياء ويساعدان الناس ويقضيان على الأعداء .. وأستمتع أكثر عندما أمثل ما أراه في الحلقة مع أخوتي الصغار وعندما أصبح أنا باتمان أو سبايدرمان وهم الأشرار فأقوم بقتلهم!! ]

الغيرة لدى الأطفال هل يوجد لها حل ؟

الغيرة هي سلاح ذو حدين يمكن أن تدفع الرد نحو تحقيق الأفضل ، أو تكون اده تدميرية تهدم كافة العلاقات بين الفرد وغيره من الأفراد ..

والغيرة لدى الأطفال لها أسباب ومن أهما هي التفرقة في المعاملة بين الأبناء ، لذلك نهى الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، كما روي عن أنس- رضي الله عنه- أن رجلاً كان عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فجاء ابنٌ له فقبَّله، وأجلسه على فخذه، وجاءته بنت له، فأجلسها بين يديه، فقال: "ألا سوَّيت بينهما؟" (رواه البزار والهيثمي). وقد تكون من أسباب الغيرة كذلك: المقارنة بين طفل وآخر، فقد تؤدي هذه المقارنة إلى خلق عقدة النقص لدى الطفل

ويكمن العلاج والحل الفعال في تحقيق المساواة بين الأبناء والعدل بينهما ، وإكساب الطفل الذي يشعر بالغيرة الثقة في نفسه .. فمثلا إذا غار الطفل الكبير من الطفل الصغير بالأسرة ، وجب علينا عدم التفريق بينهم في المعاملة ، والعمل على زرع الثقة في نفس الابن الكبير ، بان نقول له أنك أنت الأخ الكبير الذي نعتمد عليه ، وأنت الذي سيحافظ على أخيه الصغير ويرعاه ، لذا وجب على الأبوين الاهتمام بتلك النقاط البسيطة حتى لا يتطور الموضوع ليتحول إلى عقد نفسية لدى الطفل عن الكبر

كلمة لمنتدى الرسالة الإسلامي ؟

أشكر مسئولي منتدى الرسالة وأتمنى لهم التوفيق دائما لما فيه خير الأمة الإسلامية وسعادتها ونهضتها ورقيها .. وأسأل الله أن يتقبل منكم صالح أعمالكم ويعينكم عليه .. وأشكر محررة الحديث على أن إتاحة لي تلك الفرصة للتفاعل مع زوار المنتدى من خلال مجلتكم الموقرة .. جزاكم الله خيرا